عندما جربت الطيران لثلاثة أمتار فقط

مر أسبوع على وفاة واتانابي ومبارك واصابتي التي جعلتني طريح الفراش، إنه نفس اليوم ولا يوم غيره.. إنه يوم الثلاثاء يا سادة، لا أعرف الأول ولا أهتم بالثاني لكنني أتذكر جيداً أنني قرأت أخبارهم في ذلك اليوم وأنا حزين كل الحزن.. على قدمي!!

قدر لي أن أصاب في ذلك اليوم، فقد كانت أولى خطواتي في ذلك المبنى، الذي يقع بأحد المواقع التي تخلف عنها أحد المشرفين في ذلك اليوم لمرضه وحللت أنا مكانه. مضت فترة كبيرة على دخولي ذلك المكان فقد عايشت ذكريات كثيرة في ذلك الموقع بمرها ومرها ومرها، فأنا لا أحبه لذا لن أرى شيء يسعدني به، وقد كان هذا أمرها على الإطلاق.. إنه مجرد ترحيب بعودتي

أولى خطواتي في الصباح الباكر، تتعثر قدمي ببعض ألواح الخشب التي لم أبصرها في الظلام، جعلتني أجرب شعور الطيران لثلاث أمتار فقط لا غير، ليلتوي كاحلي أسفل مني بعد أن أصبحت الأرضية وملابسي أصدقاء. استرحت قليلاً ثم صعدت مع بعض الأشخاص للأعلى وقد ظننت بأنه مجرد ألم سيذهب بعد سويعات، حتى صعدت ورأيت الورم الذي كاد أن يفجر قدمي من حجمه.

عندما حاولت الخروج مستنداً على أحد الأشخاص، طلبت منه أن يتركني ليعود من حيث أتى وأني سأكمل حتى لا يلحظ الأمن أصابتي فقد كان لي ذكريات تعيسة معهم، وأخي ينتظرني بالقرب منهم، لذا لست في حاجة لفتح تحقيق قد يطول لبضع ساعات أنا أولى بأن أستريح بها طالما جاءت السيارة لتوصلني، هنا التوى كاحلي مرة أخرى -الضربة القاضية- ووقعت، ما استغربته هو مرور بعض الأشخاص من جنسية ما -لا داعي لذكرها- وهو ينظر إلي دون أن يمد يده للمساعدة وكأن شيء لم يحدث وهو المعتاد منهم، هنا سمعت اثنين مصريين يسألوني أن كنت في حاجة للمساعدة خاصة مع استنكارهم لهذا السقوط الغريب وهم يسرعون الخطى نحوي.. ويا للعجب فقد كانوا يظنوني أبناء أحد الجنسيات التي تجاهلتني، فاعتذروا لي أولاً عن مناداتي بلهجتهم -عجيب- ثم أبعدوني عن الطريق وجلسوا يتحدثون معي محاولين اضحاكي حتى جاءت السيارة وأوصلوني لها. هنا استعدت بعض ثقتي بأبناء البلد خاصة أنني مررت بالكثير من المواقف التي جعلوني أنفر منهم، لكن الحمد لله مازال الخير ببعضهم.

كانت الصباح مازال باكراً لذا لم نرى أي عيادة مفتوحة، ذهبت لأستريح حتى المساء، وأثناء نزولي من السيارة لم أكن أستطيع أن أخطو على قدمي، نظرات الناس من حولي أشبه لأن تكون مترقبة لسقوطي مثلاً!! فلا أحد يمد يد المساعدة مرة أخرى، تعكزت على أخي حتى باب المصعد وذهبت لأستريح حتى المساء..

ذهبنا إلى مركز من المفترض أن به أشعة وطبيب للعظام، ووجدنا الاستقبال يطلب منا روشتة من الطبيب مقابل مبلغ يسدد مسبقاً أو الذهاب لأي مستشفى لإحضار روشتة!! دخلت للطبيب وبعدها لمعمل الأشعة ثم عدت للطبيب وبعد تدقيق ونظرات متتالية ضحكت منها وسألته عن إن كانت هناك مشكلة، ألقى علي قنبلة كادت تودي بما تبقى لي من أمل في الحياة. أخبرنا بأن هناك عملية تركيب شريحة بـ25 ألف درهم (قرابة 100 ألف جنيه).

كلمة عملية وحدها كانت أشد علي من ثمنها، ففي كل الأحوال سأرجع لمصر لإجرائها هناك بسبب المبالغات في الأسعار هنا في الكثير من الأوقات. لكنني حقاً أكره تلك الكلمة -عملية- دعوت الله دوماً أن يبعدها عني كل البعد لأسباب أحتفظ بها لنفسي. ولكن لحظة عملية لأني تعثرت في خشب!!

سألناه عن الموعد الأخير لإجراء العملية فقال في حدود أسبوع أو اثنين بالكثير، وقتها علي تجبيس قدمي، لا أعلم حتى الآن إن كان ما يحيط بقدمي جبس أم جبيرة، فهو يقول جبس وهى تشبه الجبيرة ولكن مع دعامات قريبة للجبس.

بالفعل دخلت لغرفة التجبيس والتي هى في نفس الوقت غرفة لقياس الضغط والسكر -لا أعلم كيف- وأنا في انتظار التجبيس كل دقيقة يدخل علي أحدهم ليتم قياس ضغطه وأنا ضغطي يرتفع أكثر، حتى سألت الموظف عن موعد التجبيس لأني أريد الذهاب للمنزل بعد أن أرهقني التفكير في المصيبة التي حلت بي، أخبرني للمرة الثانية بأنه في انتظار الطبيب، حتى جاء.

الغريب في الأمر أني طلبت من الطبيب أن أغسل قدمي قبل أي شيء، وقال لي أنه لا يوجد مشكلة في ذلك وباشر عمله بعد أن كررتها وكأنه يتدرب على مانيكان، وقتها جربت حظي مرة أخرى وأخبرته أن مشط قدمي لا يوجد به مشكلة ولا أحتاج لتغطيته فقال لي لا يوجد مشكلة وقتها انتظرت أن يفعلها فقط لأتأكد أني مانيكان، ثم تأكدت أني بشري بعدها أُسمع وأُرى. وللأسف هو في كل الأحوال لم يكن ليغطي كل قدمي فقط أوهم نفسي بذلك.

وبما أني سأعود إلى مصر لإجراء العملية، أرسلت الأشعة أولاً وعرضها أخي على بعض الأطباء للتأكد مرة أخرى، والصدمة أن ثلاثتهم أجمعوا أنه لا داعي لأي عملية سواء شريحة أو مسامير، وأن الجبس كفيل بها وحده. هنا زاد تفكيري أكثر في إن كنت أجريت العملية هنا واكتشفت بعدها أني لم أكن أحتاج لها، ما موقفي وقتها من الطبيب الاستثماري!!

مازلت حتى الآن انتظر ما بعد مرحلة الجبس للذهاب للطبيب للتأكد إن كانت بالفعل لا تحتاج عملية أم لا، لكن ما يحيرني أكثر إن كانت تحتاج لعملية فكيف يتم تجبيسها!!

4 thoughts on “عندما جربت الطيران لثلاثة أمتار فقط

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s